رفيق العجم
317
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
قربا مفرطا ولا ما بعد والعقل عنده يستوي القريب والبعيد ويعرج في طرفة إلى أعلى السماوات رقيا وينزل في لحظة إلى تخوم الأرض هويا ، بل إذا حقّت الحقائق انكشف أنه منزّه عن أن يحوم بجنبات قدسه القرب والبعد الذي يعرض بين الأجسام ، فإنه أنموذج من بحور اللّه تعالى ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة وإن كان لا يرقى إلى ذروة المساوقة . . . " الثالثة " أن العين لا تدرك ما وراء الحجاب . والعقل يتصرّف في العرش والكرسي وما وراء حجب السماوات وفي الملأ الأعلى والملكوت كتصرّفه في عالمه الخاص به ومملكته القريبة أعني بها الخاصة به ، بل الحقائق كلها لا تحجب عن العقل ، وإنما حجاب العقل حيث يحجب من نفسه لنفسه بسبب صفات مقارنة له تضاهي حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان . . . " الرابعة " أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها بل قوالبها وصورها دون حقائقها ، والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ، ويدرك حقائقها وأرواحها ، ويستنبط أسبابها وعللها وحكمها وأنها ممّ حدثت وكيف خلقت ومن كم معنى جمع الشيء وركب وعلى أي مرتبة في الوجود نزل وما نسبته إلى سائر مخلوقاته ؟ إلى مباحث أخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى . الخامسة أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المقولات وعن كثير من المحسوسات ولا تدرك الأصوات ولا الروائح والطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة ، أعني قوة السمع والشم والذوق بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذّة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعدّ ، فهو ضيّق المجال مختصر المجرى لا تسعه مجاوزة عالم الألوان والأشكال وهما أخسّ الموجودات ، فإن الأجسام في نفسها أخسّ أقسام الموجودات والألوان . والأشكال من أخسّ أعراضها ، والموجودات كلها مجال العقل إذ يدرك هذه الموجودات التي عدّدناها وما لم نعدّه وهو الأكثر فيتصرّف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينا صادقا ، فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفيّة عنده جليّة . فمن أين للعين الباصرة مساواته في استحقاق اسم النور ، كلا إنها نور بالإضافة إلى غيرها ولكنها ظلمة بالإضافة إليه بل هي جاسوس من جواسيسه ، وكلها بأخسّ خزائنه وهي خزانة الألوان ، والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ ، والحواس جواسيسه سوّاها ، وهي من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الحاضر يسخّرهم ويتصرّف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشدّ وشرح ذلك يطول ، وقد شرحناه في كتاب عجائب القلب من كتب الإحياء . " السادسة " أن العين لا تبصر ما لا نهاية له فإنها تبصر صفات